ذكرياتي عن ثورة أكتوبر ٢١ المجيدة الشعبية السودانية

 

ذكرياتي عن ثورة أكتوبر ٢١ المجيدة الشعبية السودانية

بقلم محمود أبكر سليمان

ثورة اكتوبر ٢١ السودانية إندلعت عام ١٩٦٤ في عهد حكم الجنرال ابراهيم عبود العسكرية و كانت ثورة شعبية عارمة لا يمكن أن تدعي ملكيتها علي انفراد اي جهة محددة و لكن هنالك أسباب موضوعية و دوافع تزامنت و عجلت بقيامها.

من دون شك قد تناول الكثيرون من الكتاب موضوع ثورة اكتوبر من خلال زوايا متعددة ذاكرين الأسباب و ما لازمت الثورة من أحداث و التضحيات و فضلاً علي ذكر اسماء بعض الشخصيات و مؤسسات كانت لها حضور قبيل و أثناء الثورة و بعدها في تسلسل زمني تاريخي. و من أهم الأسباب المباشرة التي أدت الي إندلاع الثورة الشعبية السودانية في 21 أكتوبر ١٩٦٤ قضية جنوب السودان التي تفاقمت و ازدادت حدتها نتيجة إصرار حكومة الجنرال عبود حسمها عسكرياً و منع الجهود السياسية و أهمها ما كان يطلق عليها حوار المائدة المستديرة و فضلاً علي محاولات وزارة الداخلية منع الندوات السلمية حول قضية جنوب السودان عن طريق فرقة الشرطة الخاصة هذا بالإضافة الي السبب الاساسي الا و هو كراهية الشعب السوداني للنظام العسكري الشمولى القمعي الذي تسبب في الإطاحة في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا بعد إستقلال السودان من الحكم الاستعماري الثنائي.

أهم المبررات و الاسباب التى قادت الى اندلاع ثورة اكتور 21 المجيدة الشعبية السودانية حسب رأئى و قد كنت طالباً بكية الطب جامعة الخرطوم و مشاركاً فى كل مراحل الثورة:

أ) أسباب عامة أو العوامل المهيئة لقيام الثورة Predisposing Factors

1) يروز مشكلة جنوب السودان بصفة لافت حيث قررت الحكومة طرد القساوسة الأوروبيين من الكنائس و استبدالهم بقساوسة جنوبيين و فضلاً على قرار تعريب المناهج الدراسة فى الجنوب

2) إزدياد تعسف الحكومة العسكرية فى وأد الحريات بحل الأحزاب السياسية و زج بعض قادتها السجون

3) سعى نظام عبود الى إلغاء إستقلالية جامعة الخرطوم و ضمها تحت إدارة وزراة المعارف و هنالك حدث مهمو هو مشاركة الرئيس إبراهيم عبود في حفل التخريج الذي أقامته جامعة الخرطوم لطلابها فما كان من الطلاب إلا وأن قاموا بهتافات ضد حكومة 17 نوفنبر 1958 فأحدثوا شغب الأمر الذى دمر الحدث بشكل جذرى. علماً أن إتحاد طلاب جامعة الخرطوم كان غير راض عن تعديل أحدثته إدارة الجامعة لإحدى بنود قانون الجامعة خاص بالإتحاد تحت مسمى البند التاسع فى النظام الأساسى Statute 9 و كان ذلك البنك المشار إليه و الذى تريد إدارة الجامعة فرضه يقول إن إتحاد طلاب جامعة الخرطوم ليس سياسياً و لا طائفياً.

4) الندوات حول مشكلة جنوب السودان وأول ندوة كانت فى قاعة إمتحانات جامعة الخرطوم و حضرها مجموعة من السياسيين و أساتذة الجامعة و على قائمتهم الدكتور حسن عبد الله الترابى فى يوم 30/ 9/ 1964م و كانت الخلاصة أن حل مشكلة الجنوب لن يتأتى إلا بحل مشكلة السودان الذي يحتاج الى الديمقراطية والحرية بزوال الحكم العسكرى الدكتاتورى

ب) أسياب مباشر أو العوامل المعجلة لقيام الثورة Precipitating Factors

1) قرار الحكومة منع قيام ندوة بمشاركة الأحزاب السياسية يدار إتحاد طلاب جامعة الخرطوم و لما تقدمت اللجنة التنفيذية للإتجاد بمذذكرة لوزرة الداخلية تم اعتقال أعضاء اتحاد طلاب جامعة الخرطوم كاملاً بقيادة حافظ الشيخ الزاكي فى يوم 10 /10/ 1964م

2) و لما كان طلاب الإتجاه الإسلامي – الإخوان المسلمين – لهم الأصوات الأعلى أسندت رئاسة اللجنة البديلة إلى الطالب بكلية القانون ربيع حسن أحمد. فقرر إتحاد الطلاب برئاسة ربيع حسن أحمد إقامة ندوة في دارر اتحاد طلاب جامعة الخرطوم مع عدم دعوة الأحزاب السياسية حرصاً على عدم تعرض قادتها الى الاعتقال وكانت الاتجاهات الممثلة الممثلة في الندوة تشمل الأخوان المسلمين (الإتجاه الإسلامى) والجبهة الديمقراطية (الشيوعيون) والجبهة الاشتراكية واتجاهان آخرانو لكن إدارة جامعة الخرطوم أغرقت ميادين اتحاد طلاب الجامعة بالماء الأمر الذى أدى إلى عدم إمكانية إقامة الندوة في دار الاتحاد محاولة لإلغاء الندوة بطريقتها الخاصة إلا أن إتحاد الطلاب برئيسه البديل ربيع حسن أحمد قرر تحويل موقع الندوة الى ميادين داخليات البركس وأقيمت الندوة الشهيرة فى ليلة الأربعاء 21 أكتوبر 1964 بين داخليتى كسلا و القاش وأول ما بدأ المتحدث الأول داهمت الشرطة ساحة الندوة و أمطرت الحضور بالقنابل المسيلة الدموع و الضرب الهراوات.

ج) العوامل المساعدة Cofactors

(1) إلتفاف الشعب السودانى فى كل قطاعاته و أطيافه السياسية حول مبادئ الحرية و الديمقراطية التى نادت بها ثورة أكتوبر المجيدة.

(2) من العوامل التي ساهمت في نجاح ثورة أكتوبر فى وقت مبكر أن نظام الجنرال إبراهيم عبود لم يكن متعطش للدماء مثل الأنظمة العسكرية العقائدية التي جاءت بعده. وتشمل الأنظمة الشائنة اثنين على وجه التحديد نظام 25 مايو 1969 بقيادة جعفر محمد نميري ونظام الجبهة الإسلامية القومية (حزب المؤتمر الوطني) بقيادة عمر حسن أحمد البشير منذ 30 يونيو 1989 حتى الآن.

و هكذا علي الرغم من استمرار القمع و التشديد علي الحريات العامة من قبل حكومة الجنرال عبود الا ان التحدي استمر بإقامة الندوات في نادي طلاب جامعة الخرطوم حيث تم تفريق الندوة و اعتقال اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي كان يرأسها ة حافظ الشيخ الزاكى منذ العاشر من أكتوبر 1964 و عندئذ قرر الطلاب بإقامة ندوة تحدي موقعها داخليات الطلاب التي تسمي براكس و كان رئيس الاتحاد الربيع حسن أحمد و قد ألزمت لجنة الاتحاد جميع طلاب جامعة الخرطوم من جميع المجمعات السكنية حضور ندوة التحدي و تشمل التجمعات الوسط و شمبات و داخليات طلاب الطب و داخليات الطالبات و في نفس الوقت كان الشرطة الخاصة علي استعداد بمداهمة الندوة لأن مقر تلك الفرقة من الشرطة بالقرب من داخليات بركس.

و سرعان ما بدأت الندوة داهمت قوة من الشرطة مدججة بالسلاح و القنابل المسيلة للدموع لفض تجمع الطلاب و إيقاف استمرار الندوة فحدثت مواجهة حادة في شكل كر و فر بين مجموعات الطلاب و قوة الشرطة يتخللها غاز مسيلة الدموع و رمي الطلاب الشرطة بالحجارة. 

مساهمة الطالبات فى مواجهة الشرطة

كما ساهمت مجموعة من الطالبات علي الرغم من قلة عددهن في جامعة الخرطوم في تلك الحقبة و قد كانت الطالبات يرشن المكان بالماء مستعملين خراطيم الماء لتقليل اثر قنابل مسيلة الدموع علي الطلاب الذين المتظاهرين ضد الشرطة.

إيواء الطالبات بداخلية مجمع كسل

من خطط إتحاد طلاب جامعة الخرطوم عند ما داهمت قوة الشرطة ندوة ليلة ٢١ أكتوبر ١٩٦٤ إيواء الطالبات اللاتى اشتركن في الندوة في داخلية الطلاب التي تسمى مجمع كسلا في البراكس من اجل سلامتهن.

معركة الفر و الكر و القذف بالحجارة و قذف القنابل المسيلة للدموع

و استمرت معركة الكر و الفر و القذف بالحجارة و قنابل المسيلة للدموع حتي شعر الشرطة أنهم قد ارهقوا حيث قرر القاضي الذي كان برفقتهم و أمر بإطلاق النار لردع الطلاب و بالفعل وقفت مجموعة من الشرطة المدججين بالسلاح في طابور و أطلقوا النار و لكن الطلاب ظنوا إن الذخيرة كاذبة و لكن سرعان ما أصيب عدد من الطلاب بإصابات بالغة و كان من ضمن الطلاب الذين أصيبوا إصابة مميتة الشهيد أحمد القرشي طه. في تلك الليلة بجانب الشهيد القرشي أصيب إصابات بالغة بطلق ناري الطالب بابكر عبد الحفيظ من حي ود دورو بمدينة امدرمان و كما تم جرح الطالب خلد و عامل من عمال الجامعة و اسمه مبيور من ابناء جنوب السودان.

معركة الكر والفر بين الطلاب والشرطة استمرت حتى بعد منتصف الليل عندما انسحبت قوات الشرطة الخاصة وغادرت. وأعقب ذلك قرارتجمع الطلاب المشي على الأقدام إلى مستشفى الخرطوم التعليمي وقضاء بقية الليل في شارع المستشفى أمام المشرحة لحراسة جثمان الشهيد القرشي حتى لا يتم تهريبه من قبل السلطات الحكومية وإرساله إلى أسرة الشهيد أحمد القرشي في قريتهم التى تدعى آلقراصة في منطقة النيل الأبيض لتجنب احتمال الطلاب أخذ الجثمان كشرارة لاندلاع ثورة شعبية. كما تجدر الإشارة إلى حقيقة أن رجال الشرطة حاولوا تحريض و إقناع أسرة الشهيد وطلبوا منهم أن يحملوا الجثمان إلى القرية، وقالوا لهم ما معناه إن الطلاب غالباً سيتظاهرون فى الشوارع العامة حيث تكون العواقب غير معروفة للجثمان الذى ربما يلقى فى قارعة الطريق عند مداهمة الشرطة لهم ثم يهربوا! ولكن تمت طمأنة عم الشهيد وقيل له إنه سيكون هناك موكب منظم يشترك فيه اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وكل الجامعات، بما في ذلك أساتذة الجامعاتلتشييع جنازة الشهيد فاقتنعت أسرة الشهيد.

المثل الشعبي ييقول إن الشيئ بالشيئ يذكر و يؤدي إلى الشيء الآخر ذات الصلة. ففي هذا السياق، وأعتقد أنه من المناسب الإشارة إلى حقيقة أن الشهيد أحمد القرشي طه كان زميلاً لي في مدرسة الفاشر الثانوية. كل منا وزملاء آخرون قد نجحنا فى إمتحان الشهادة السودانية و الدخول فى كلية العلوم في جامعة الخرطوم.. و بعد أن أمضينا سنة واحدة بكلية العلوم و بعد الإمتحان النهائى بقى الشهيد أحمد القرشى في كلية العلوم بينما انتقلت أنا إلى كلية الطب بجامعة الخرطوم. و كثيراً ظل بعض الناس يتساءل عن هذه الحقيقة و يستفسرون عن كيفية إلتحاق الشهيد القرشي الذي أصله من منحلقة النيل الأبيض ليصبح زميلاً لطلاب مدرسة الفاشر الثانوية في مديرية دارفور في غرب السودان.. والحقيقة هي أن والد الشهيد أحمد القرشى طه كان تاجرا فى مدينة الدلتج في جبال النوبة و لذلك درس في مدرسة دلنج الريفية الوسطي التابعة لمعهد تربية الدلنج و منها جلس لامتحان الشهادة للدخول للمدارس الثانوية فنجح و تم قبوله طالباً في مدرسة الفاشر الثانوية و بذلك أصبحنا زملاء دراسة في نفس الفصل ثم قضينا سنوات الدراسة الأربع معا و نجحنا في امتحان الشهادة السودانية لدخول جامعة الخرطوم و تم قبولنا في كلية العلوم..و تجدر الإشارة الى أن في العصر الذى أتحدث عنه، كان هناك عدد قليل جداً من المدارس الثانوية الحكومية في السودان. وكانت تعتبر كل تلك المدارس “اقومية “بالمعنى الحقيقي! و كانت المدارس الثانوية الحكومية حينئذ تشمل مدرسة الثانوية الفاشر في مديرية – دارفور و ا المدارس الثانوية الشقيقة الأخرى تشمل مدرسة خورطقت الثانوية في مديرية كردفان، و مدرسة حنتوب الثانوية في مديرية النيل الأزرق، و مدرسة وادي سيدنا الثانوية في مديرية الخرطوم ومدرسة بورسودان الثانوية في مديرية كسلا ومدرسة الخرطوم الثانوية في مديرية الخرطوم و كانت كل المدارس الثانوية الحكومية الرئيسية تعتبر قومية متاحة على قلتها لكل الناجحين من خريجي المدارس المتوسطة وفق التنافس الحر على دخولها مجاناً. أحمد القرشى طه كان معه مجموعة من الطلبة تنتمى أصولهم إلى منطقة جبال النوبة بصفة خاصة و مديرية كردفان بصفة عامة عند مجيئه الى مدرسة الفاشر الثانوية. و بذلك نقلوا معهم تراث جبال النوبة فى شكل أغانى و رقصات الكمبلة و المصارعة و ألعاب القوى كما تلقوا بالمقابل ثقافات اهل دارفور و حدث التعارف والانسجام و الوحدة القومية.

الطالب أحمد القرشى طه قد درس المرحلة الثانوية بمدرسة الفاشر الثانوية فى مديرية دارفور بغرب السودان.

  

صورة تذكارية أخذت لطلبة الصف الرابع بفصل أبوبكر فى مدرسة الفاشر الثانوية فى عام 1963 و يظهر فى الصورة الطالب أحمد القرشى طه و زملاؤه و ناظر المدرسة الأستاذ أحمد هاشم و مدرس اللغة الإنجليزية مستر رينويك.

 

ميدان عبد المنعم أو ميدان المولد

و عند صبيحة اليوم تم نقل جثمان الشهيد القرشي علي عربة الي ميدان المولد أو ميدان عبد المنعم الذي أصبح مقرا لما يسمي الآن نادي الأسرة في الخرطوم جنوب يتبعه جموع الطلاب في موكب حزين مهيب حيث وقف الحضور الكثيف في شكل دائري حول الميدان و نظراتهم متوجهة الي العربة التي تقل النعش. فتمت الصلاة علي جثمان الشهيد و قد أم صلاة الجنازة السيد الصادق صديق عبدالرحمن المهدي. و بعد الفراغ من الصلاة علي جثمان الشهيد القرشي بدأت مخاطبة الجمهور بساحة الميدان فابتدر الحديث الدكتور حسن عبدالله الترابي و في نهاية كلمته قال: (إنفضوا أيها الطلاب و سنقتص من القتلة )! و في الحال قاطعه رئيس إتحاد طلاب جامعة الخرطوم بالإنابة الطالب ربيع حسن أحمد لأن رئيس الإتحاد ما زال معتقلا مع طاقم اللجنة التنفيذية – قائلا 😦 لن نتفرق و نعلنها ثورة)! و عندئذ بدأت شرارة ثورة أكتوبر ٢١ الشعبية السودانية و اندلعت بمشاركة جمهور الطلاب و الحضور من مكونات الشعب السوداني متجهة صوب مركز مدينة الخرطوم حيث توجد الأسواق المختلفة السوق العربي و السوق الإفرنجي و مكاتب الدولة تتخلل المواكب الهتافات التي تندد بالطغمة العسكرية الدكتاتورية و تنادي بالحرية و الديمقراطية و زوال حكم العسكر و القصاص لأرواح الشهداء..

الأسطورة أن الشهيد قرشي كان متجهاً لحمام المساء عندما أطلقت الشرطة عليه النار

تضاربت الأقوال عن استشهاد القرشي أول شهداء ثورة أكتوبر، فمنهم من قال بأنه كان ذاهباً إلى استحمام مسائي حاملاً بشكيراً ومنهم من قال بأنه كان قريباً من الحمام وأصيب هناك فما هي الحقيقة؟

قصة أنه كان ذاهباً للحمام بحاملاً شكير غير صحيحة، لأن الوقت لم يكن وقت حمام، فهي مبالغة في الوصف، فهو أصيب بالقرب من الحمام ليس لأنه كان في الأصل هناك، ولكن عندما تفرق جموع الطلاب من الميدان و دخلوا وسط الداخليات، حيث توجد مباني مختلفة، والحمامات كانت أمام الداخليات وكانت هناك مطاردات، فتفرق الطلاب إلى مظاهرات فى مجموعات صغيرة ويبدو أنه في تلك المنطقة حاولت مجموعة من الشرطة أن تجعل الحدث حدثاً طبيعياً غير مقصود. – حسب تحليلربيع حسن أحمد فى مقابلة مع صحيفة آخر لحظة على الرابط http://www.tawtheegonline.com/vb/showthread.php?t=41221 يقول البعض إنها كانت محاولة غير شريفة من بعض الحاقدين الغيورين الذين يريدون الا تكون شرف الشهادة للشهيد الأول لثورة اكتوبر المجيدة الشهيد احمد القرشى طه.

مساهمة طلاب المعهد الفنى فى الخرطوم إبان إندلاع ثورة أكتوبر

إنه جدير بالتنويه الي حقيقة أن لطلاب المعهد الفني في الخرطوم مساهمة و مشاركة مقدرة إبان إندلاع ثورة أكتوبر ٢١، ١٩٦٤ و لا سيما فعاليات الثورة أثناء و بعد تشييع جنازة الشهيد أحمد القرشي طه.

الي القصر حتى النصر

بعدما عمت مظاهرات الاحتجاج جميع أنحاء البلاد و المتزامنة مع تحرك جبهة الهيئآت و مكونات الأحزاب السياسية قرر الجنرال عبود حل المجلس الأعلي للقوات المسلحة و بقي هو رئيساً لإدارة شئؤن السودان. باتفاق مع القوي السياسية التي كانت تفاوضه نيابة عن الشعب. و لكن جموع الشعب لم تقبل بقاء عبود في السلطة و اعتبروه بمثابة رأس الحية يجب إستئصاله!

و استمرت المظاهرات الهادرة في مديرية الخرطوم و في باقي أنحاء السودان شارك فيها كل القطاعات الشعبية و في يوم الأربعاء ٢٨ أتوب ١٩٦٤ تحركت الجماهير من أمام نادي أساتذة جامعة الخرطوم بشارع الجامعة و اتجهت الي القصر الجمهوري للمطالبة بتنحي الجنرال ابراهيم عبود و حاشيته من العسكر يهتفون قائلين:(الي القصر حتي النصر) و حينما وصلت المظاهرة بالقرب من القصر الجمهوري أطلق الجيش الذي كان يرابط في مقدمة سور القصر اطلق النار الكثيف علي المتظاهرين فجرح أعداد كبيرة من المواطنين و توفي عدد من الشباب المشاركين في مقدمة المظاهرة فسقطوا في ما يسمي ساحة القصر حيث التقاء شارع القصر مع شارع الجامعة. و تم نقل للجرحي الي قسم حوادث مستشفي الخرطوم فيما نقلت جثامين الموتي الي مشرحة المستشفي.

ليلة المتاريس

و بعد تكوين حكومة ثورة اكتوبر و رئيس وزرائها سرالختم الخليفة الذي كان يعمل في وزارة التربية و التعليم و اشتملت الحكومة وزراء أعضاء في لجنة جبهة الهيئات النقابية و الاحزاب السياسية المعارضة راجت إشاعة بالليل عبر إذاعة الراديو أمدرمان علي لسان وزير الإعلام فاروق أبو عبسى بأن هنالك مؤامرة إمبريالية تحاك ضد مكتسات ثورة أكتوبر الشعبية بإنقلاب عسكري فخرجت الجماهير من كل أحياء مدن عاصمة السودان الخرطوم التي تشمل مدينة الخرطوم و امدرمان و الخرطوم بحري و ضواحيها و أقام المواطنون متاريس حول الكباري و الطرق المؤدية الي القصر الجمهوري و مباني مجلس الوزراء و كان مشهداً فريداً و استمر تلك المظاهرات طول الليل حتى صدر تصريح آخر يطمئن المواطنين أن الوضع تحت السيطرة فعادت جماهير الشعب الي منازلهم الا أن شوارع المدينة امتلأت بفروع الأشجار و غيرها من المتاريس.

و الي هنا أكتفي بهذه الذكريات التي إعتبرتها تكفي لإبراز أهم الأحداث التي لازمت ثورة أكتوبر ٢١ المجيدة الشعبية السودانية أما ما تلاها بعد ذلك من الأحداث السياسية تعد مسلسل ماراثوني ما لا نهاية له و هو التاريخ و ليس سوى تاريخ!.

دكتور محمود أ. سليمان هو مؤلف و كاتب أعمدة و مدون و الرابط لمدونته كالآتى https://thussudan.wordpress.com/

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s